بدأت العلاقة الحميمة بينه وبين الريشة والألوان حين كان تلميذا في المرحلة المتوسطة، وراحت تنمو بفضل تشجيع المدرسين وتوجيههم، فمضى على طريق الفن، ثم التحق بمعهد المعلمين وحصل على دبلوم التربية الفنية، وعمل مدرسا للرسم يتعهد المواهب الصغيرة والبراعم الواعدة، لكن الطموح دفعه إلى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة في القاهرة، وحصل منها على البكالوريوس في الرسم والتصوير الزيتي عام 1981.
وهو الآن فنان تشكيلي كويتي بارز، شارك في أكثر من عشرين معرضا فنيا داخل الكويت وخارجها، وهو أمين سر الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية إلى جانب كونه ناقدا تشكيليا يعمل بقلمه الواعي من اجل رفعه الحركة التشكيلية في الكويت.
ذلك هو حميد إسماعيل خزعل المعروف بلوحاته المعبرة عن انسحاق إنسان العصر الحديث تحت وطأة التكنولوجيا، ومعه كان لنا هذا اللقاء حول قضايا الفن التشكيلي والحركة الفنية التشكيلية في الكويت.
مستوى الحركة التشكيلية
[كيف ترى المستوى الذي وصلت إليه الحركة الفنية التشكيلية الكويتية؟]
- إذا نظرنا إلى عمر هذه الحركة وجدناه قصيرا بمقياس السنين، ورغم ذلك نجد لدينا حركة تشكيلية متميزة بمستواها الرفيع والشهرة التي حققتها، ويرجـع الفضل في تقدم هذه الحركة بسرعة إلى الدعم المادي والمعنوي الذي توفره الحكومة ونقدره كل التقدير، كما يرجع إلى مجموعة من الشباب الكويتي المجتهد وهبت نفسها لتطوير هذه الحركة وثابرت على العمل والدراسة والإطلاع لتطوير ذاتها.
[وماذا عن دور الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية؟]
- منذ تأسست الجمعية قبل حوالي عشرين عاما وهي تقوم بتشجيع وتبني الفنان وترعى الحركة الفنية وتعمل على تنمية الوعي الفني، كذلك تقوم الجمعية بالتعريف بالفن التشكيلي الكويتي في الداخل والخارج، ومواسم نشاط الجمعية زاخرة بالنشاط، وهناك ثلاثة معارض سنوية دائمة تقيمها.. فهناك معرض الجمعية الخاص الذي يقام سنويا منذ عام 1968 وهو مكرس لعرض الإنتاج الفني لأعضاء الجمعية.
وهناك معرض الجمعية العام الذي يقام سنويا ويشارك فيه الفنانون المقيمون على ارض الكويت عربا أو أجانب إلى جانب أعضاء الجمعية.
وهناك معرض 25 فبراير الذي يقام لمناسبة العيد الوطني المجيد كل عام وتشارك فيه التجمعات التشكيلية في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية.
وتقيم الجمعية كل سنتين معرض الفنانين التشكيليين العرب الذي تشارك فيه الأقطار العربية، والمعرض يقام باستمرار ونجاح منذ عام 1969، وهذا إنجاز كبير ليس له نظير في المنطقة. كذلك تستضيف الجمعية معارض أجنبية، وتقيم معرض الفن الكويتي المعاصر ومهمته التعريف بالفنانين الكويتيين وعرض آخر إبداعاتهم الفنية خارج الكويت ومن أهم البلاد التي أقيم فيها المعرض:
مدريد وبرشلونة- 1982، مسقط- 1983، صوفيا- 1985، الشارقة- 1986، الرياض- 1987، موسكو، وقد حقق هذا المعرض نجاحا نعتز به وأصبح بمثابة نافذة يطل منها العالم على الفن التشكيلي الكويتي- وبشكل عام تمثل المعارض فرصة طيبة للاحتكاك واكتساب الخبرات والمعارف الفنية مما يعود بالفائدة على الفنان والحركة الفنية.
[ما مدى أهمية الكليات والمعاهد الفنية في تطوير الفنان والحركة الفنية؟]
- الكليات والمعاهد لا تصنع فنانا من لا شيء، وإنما تقوم بصقل موهبة الفنان وتزويده بالمعلومات والخبرات التي تطور موهبته إذا أحسن استغلالها وتوظيفها لهذا الهدف وهناك الكثير من الفنانين العالميين الذين لم يدرسوا الفن في معاهد أو كليات واعتمدوا على مواهبهم وتجاربهم. خلاصة القول إن المعاهد الفنية تعمل على تشكيل الفنان الذي يأتي إليها بموهبته وكأنه مادة خام.
الفنان.. الناقد.. لجمهور
[بصفتك فنانا وناقدا تشكيليا.. كيف ترى دور النقد التشكيلي ومساهمته في تطوير الحركة الفنية؟]
- إن النقد التشكيلي لم يأخذ دوره كاملا حتى الآن رغم وجود بعض النقاد، فالوسائل الإعلامية لا تعطي النقد الفني الاهتمام الكافي الذي تعطيه لأمور أخرى مثل الرياضة، والناقد المتخصص غائب في معظم الأحيان مما يجعل تغطية الأنشطة الفنية تغطية خبرية أو مرورا سطحيا على الحدث.
وهناك مجلات متخصصة في النقد التشكيلي تصدر في بعض البلاد العربية مثل " الحياة التشكيلية" السورية وفيها مادة غزيرة جيد ة لكنها تطبع بالأبيض والأسود مما يفقد اللوحات المصورة قيمتها الجمالية.
[ما سبب المسافة الموجودة بين الفنان التشكيلي والجمهور؟]
- إن الفنان حين يرسم فانه يعمل بحرية ويبدع ما يتلاءم مع شخصيته ومشاعره وأفكاره، ولا يجوز أن يكون مسيرا، ويبقى بعد ذلك دور وسائل الإعلام والنقاد والخلفية الثقافية للجمهور.. وغني عن الذكر إن الفن نشأ في الأصل تعبيرا عن مشاعر الخوف والفرح لد ى الإنسان، فالفن البدائي الذي وجد على جدران الكهوف يعبر عن المكنونات الداخلية لمبدعيه.
لذلك فان على النقاد أن يكونوا همزة الوصل بين العمل الفني والجمهور، فانا لا أستطيع أن اطلب من الجمهور أن يكون مثقفا فنيا لكنني اطلب من الناقد أن يكون مترجما للعمل الفني، يحلله ويقربه من الجمهور ليفهمه ويتذوقه، إن العمل الفني كخشبة المسرح وعليها أبطال يؤدون أدوارهم وعلى الناقد تحليل العمل وشرح عناصره للجمهور وان يتعامل مع اللوحة من الداخل ويتابع الفنانين واتجاهاتهم وأساليبهم ليأتي النقد إبداعيا فيستفيد منه الجمهور والفنان، ومن المؤسف إن بعض النقاد يصدرون أحكاما على الأعمال الفنية، فهذا جيد وهذا رديء.. هذا لا يجوز.. إن المواهب لدى الفنانين متفاوتة وطاقاتهم الإبداعية ليست واحدة، هناك عمل فني متميز وهناك عمل فني سطحي.. الخ ولكن ليس هناك عمل فني سيء.
التأصيل
[هناك دعوة لتأصيل الفن التشكيلي العربي بحيث تكون له هوية عربية، فإذا شاهد الجمهور لوحة لفنان عربي أدرك إنها لوحة عربية.. ما رأيك؟]
- يدعو البعض إلى فن تشكيلي عربي خالص مستمد من التراث ولكن يجب ألا يقع الفنان في تكرار الموضوعان والمفردات، وهناك موضوعات وأفكار تناولها فنانون قدماء واحتواها التراث ولا أجد فائدة في تكرارها.
وفي فترة مضت اندفع الكثير من الفنانين إلى رسم السدو واقبل الجمهور على شراء لوحاتهم، كما اتجه بعض الفنانين إلى الحرف العربي يشكلون منه لوحات ولوحات .. ولكن السؤال الذي يبرز هو: ما هي القيمة الفكرية والجمالية للعمل الفني وماذا أضاف الفنان؟ ولذلك لم يكن غريبا أن يتوقف الاندفاع إلى الاتجاه المذكور.
إن الفنان العربي جزء من هذا العالم الذي زالت فيه الفواصل الجغرافية والزمنية، وعليه أن تكون لغته عالمية فإذا ما استغل الموروثات وظفها توظيفا عصريا بحيث تكون جزءا عضويا في اللوحـة وعنصر إبداع
دور ا لفنان
[ما هو دور الفنان التشكيلي في المجتمع؟ وماذا تقول في السمة البارزة في الكثير من لوحاتك وهي معاناة الإنسان في عصر التكنولوجيا؟]
- الفنان جزء من المجتمع يتأثر بما يدور في مجتمعه وعليه أن يؤثر في المجتمع. والفنان الذي يتأثر ولا يرى إن عليه أن يؤثر يقتصر عمله على البحث في القيم الجمالية.
أما الفنان المبدع فانه يستقبل كل ما يدور حوله بحس فني ونظرة خاصة ثم يترجم العناصر المختلفة فيحولها إلى عمل ذي قيمة فكرية وجمالية.. وهذا هو العمل الإبداعي المتكامل.
أما عن الخط الذي اختططته لنفسي وأتمسك به بقوة فهو التعبير عن وضعية الإنسان والبحث المتواصل في داخلية الإنسان والمؤثرات الخارجية التي يتعرض لها.
والبعض يتهمني بالتشاؤم ولكنني متعاطف مع إنسان القرن العشرين الذي يعاني المشاكل ويعيش المآسي في هذا العصر الصعب.. وإنني أطلق صرخة والفت نظر المجتمع إلى ما نعاني كبشر.

   
  المصدر:   مجلة الكويتي - شركة نفط الكويت   العدد:   1070
  السنة:   سبتمبر 1987   الكاتب:   جهاد أيوب