|
ففوزية الصاعدي التي لا أريد أن أجحف في حق
إبداعها المنطلِق بأن أحدد توجه فنها.. ولكنها
تتحرك في مساحة بين التعبير بحضور الرمز القوي
والرغبة الواضحة في تبني بعض الملامح
التجريدية في حذر.
ولأننا أمام لفظ الذاكرة كمنبع خصب لكل
المبدعين نظرا للكم الذي يحتكره من الملامح
المخزنة والتي هي المادة الجاهزة الأنسب
كإسقاط خطابي في التشكيل.. ولأن المدخل البصري
هو المنفذ المبدئي لاستقبال العمل الإبداعي
التشكيلي.. ولأننا حتما سنستنتج ومن خلال هكذا
ملامح أننا أمام الذاكرة في شقها (المكان)..
وكذا لأننا أمام هذا المصدر الملهِم الذي قد
يحنطه البعض باعتبار جموديته أو تقارب وتشابهه
ملامحه التي قد تجنح بالفنان إلى آفة
التكرار.. وهذا ليس أكثر من إجحاف محدود
النظر.. ولكل هذا يُفضَّل الإقرار بأن المكان
هو أكثر من كونه مجسم للإيواء ملتصق بمخزون
الذاكرة عندنا.. بل أن ما يحيط من الأحداث
بهذا المكان هو الذي يعطي الذاكرة ذاك الزخم
المستفِز الذي يحيلنا دائما على السؤال العريض
الذي يتبادر إلينا عن سبب وجود هذه الذاكرة..
ومن أين تستمد قوتها التي تستحوذ بعاطفية على
تفاعلنا معها.
وهكذا استفهام هو ما يجعل من الفنانة فوزية
الصاعدي تمتطي صهوة الذاكرة والمكان تحديدا ..
ليس من باب عرضه كمنتج إنساني بالحيثيات
اللصيقة به تاريخيا كالأبواب والنوافذ
والمؤثرات المناخية عليه إلخ.. بل لأن هذا
الجدار المأوى والمكان جامع لمخزون من الأحداث
والأشياء التي لها سلطة استثنائية علينا عند
استحضارها.. والفنانة فوزية الصاعدي التي
استهدفت عين المتلقي كاستقطاب مبدئي في اتجاه
قلبه.. مستدعية التأثير المعتاد الذي تستطيع
الذاكرة فعله من تأجيج عواطفنا وحضور الحنين
بوجهيه الفرحي والشجني.. لتذكرنا من خلال
الذاكرة كمشترك الإنساني أن كل منا تحوي
دواخله ذاك الرصيد المخزن الدائم الارتفاع
بوجودنا وبالازدياد المضطرد في تدوين
أحداثنا.. فما كان على فوزية الصاعدي قبالة
الترف الذي توفره الذاكرة للفنان التشكيلي إلا
أن تجيد استدعاء المناخ العام المؤثر في
المتلقي وتخضبه بتضاريسها الخاصة التي تجعل
لها شخصيتها الفنية متميزة في العين
المستقطَبة.. ولأن الجدار كواجهة مستحوذة على
جل أعمال من يتخذون المكان كرمز للذاكرة.. فإن
الاجتهاد يكون في الإسقاطات الخطابية وطريقة
طرحها مصاحبة لثالوث (اللون والمساحة
والحركة).. ولكن الملفت في تكوينات هذا الملمح
الذاكري عند الفنانة فوزية الصاعدي هو أنها
تتعامل مع الجدار _ الممثل للمكان العتيق _
وكأنه عروس تهندس هي هندمتها في احتفالية لا
تُخفي خلالها تاريخية المشهد عوداً لموقعه في
الذاكرة.. وكذا أنها بسخاء تعمل على ترصيعه _
الجدار _ بالنتوآت اللونية وبالانسيابية نزولا
وصعودا وكأني بفوزية الصاعدي تعلمنا باحتفالها
الدائم المتجدد بانوجاد هذا المَعلم ولو كقطعة
من المنصرِم.. ويتجلى ذلك خلال انتقالنا من
عمل لآخر.
لأننا ورغم السحنة العامة لخطاب المكان كذاكرة
عندها.. إلا أن في كل عمل تجد خصوصية وراءها
الكثير من الاجتهاد للهروب بها من التصادمات
أو الاستنساخات التضاريسية بين أي عمل وآخر..
وإذ نقول اجتهادا فليس بالمعنى المباشر بقدر
ما هو صيغة إنتاجية واعية المقصود منها عدم
إرهاق المتلقي بتجانس عناصري غير مستحب.. خاصة
وأن الخطاب واحد وحدوث التشابه قائم.. والهروب
الذي رامته الفنانة ليس أكثر من قراءة مبدئية
مستحقة لتنصب اللون وكذا ترصيع المكان من
خلاله لتزرع الحياة فيه وكأنها تحتفل بالقدرة
على استعادة هذا المكان من داخل حدود الذاكرة
في شيء كالتحدي.. والعمل الإبداعي في هكذا
حالة هو عمرً افتراضي مضاف تحاول الفنانة
فوزية الصاعدي ومن خلال عطائها الإبداعي أن
تعرفنا عليه من زاوية الرؤية الآنية عندها
وبآليات مستحدثة لتنقش بها على الفضاء المتاح
وفي هذا الزمن ملامح زمن آخر ليس هنا إلا من
خلال استدعائها له.
التبليغ الجيد هو ما يميز بين فنانين يشتركون
الطرح ذاته كما هو الأمر هنا في عنصر المكان
.. وليس أكثر من الاستفزاز استقصابا للعين
الراصدة للخطاب.. فنجد أن الجدار كواجهة
لذاكرة المكان قد عولج كطرح عند عديد الفنانين
وليس من الضروري تحديد وجهة بعينها باعتبارها
القدوة في معالجة هكذا طرح.. ورغم أن الخصوصية
هي التي تؤسس رصيد التميز عند هذا أو ذاك من
الفنانين.. إلا أن هذا التميز نفسه يحيلنا إلى
قراءته بين فنان وآخر وإن ليس من قبيل
المقارنة.. إلا أن الذكاء الإبداعي لا بد وأن
يكون حاضرا عند من يقف قبالة عنصر الذاكرة
الذي هو عبارة عن منبع دائم الاستهلاك دون
نفاذ.. وأقول هذا لأن هذه الذاكرة هي مشترك..
وللكل الحق في قراءتها عند أي من الفنانين..
وفوزية الصاعدي تمتلك حس التميز باعتبارها لم
تطرح المكان كغيرها في الشق (النوستلجي)
الأقرب إلى الكرب أو لنقل أنه الشق الشجني من
الذاكرة.. بل امتهنت كذلك الجمال في ثراته
اللوني.. جمال ليس للزينة بل لرغبتنا في
استجداء الاحتفال الدائم باستعادة المنقضي..
وتجاوزا لضرورة ذلك على الأقل باعتباره مُعاشا
سالفا يحضرنا دائما الحنين إليه.. سنظل نشحذ
الهمم قصد استرجاع كل ماض رغم أن مآله هناك في
مكان ما منا اسمه الذاكرة.. هذه التي ليس من
مُضر في حضورها إلا أننا نفاجأ بأن جل رصيدنا
منها ليس في عهدتنا.. وأن ما انتهى في الذاكرة
كماض لن يكون في غيرها.. وأن محاولة بلورته
وتجديد هويته من قبيل شيء كالامتلاك أو
الطمع.. ولكن صلاحية استدعائه عبر الفنون
الإبداعية المختلفة هو ما قد يعطيها حيزا
زمنيا لائقا بها كجزء من العمر لا يسعدنا
الاعتراف بفقدانه.
والفنانة فوزية الصاعدي تساهم كثيرا من خلال
إنتاجها في هكذا اتجاه.. فكأني بها _ عندما
تلمست أعمالها الأخيرة _ تود أن تعترف لنا من
خلال تجديد ملامحها وإثراء البصري منها..
بأنها على درب هكذا هوية ستستمر ولن تحيد
وأنها ستعمل على المزيد من استنزاف مخزون
إسقاطاتها التقنية لونا وتوزيعا وإيقاعا..
لتصب هي الأخرى في تزكية خطابها الحنيني
للأمكنة التي أَتخَمت بها الأيام ذاكرتها..
وكذا قراءة هذا المخزون بأكثر من منظور إمعانا
في التجدد وهروبا به من ملل قد تسببه نمطية
التداول باعتبار أن ذاكرة المكان هو عنصر وحيد
للطرح عند الفنانة فوزية الصاعدي.. وبالتالي
ففسيفساؤه قابلة للتقاطع بين عمل وآخر.. ولهذا
فهي تعمل على خطابها بمبدئية مفادها تكامل
ثنائي النسيج العام لإبداعها.. البصري
باستفزازه وتنوعه ثم تنوعه ثم تنوعه.. والخطاب
بحيوية الحنين المعتاد للذاكرة ومنها للأماكن.
|