|
في المقابل، وعودة إلى النقطة الأولى، يحتفي العوضي بوجوهٍ أقلّ يكثف
حالاتها؛ وتبدو في حركتها أكثر إيقاعية، سواء في خطّها الأفقي أو في صراعها
المرير بين الفرح والحزن والألم والتوق والريبة والانتظار. وهو إذ يتخذ هذا
الأسلوب بديلاً عن الصراع الملحمي، الذي يحتاج إلى كثيرٍ من التشريح
والتعقيد، ينتصِر للخط البسيط المعبّر أكثر عن فلسفته ووجدانه، ويلمس بذلك
الوجدان البشري الداخل دائما في تناقضاته المحيرة.
فهذه الوجوه التي يرسمها العوضي ليست إلا وجهٍ واحد، لكن بتعابير متعدّدة.
تلك قناعةٌ تزداد كلما اقتربنا من أعمال العوضي، أو كلما اقتربنا من عبد
الوهاب العوضي نفسه. في تكويناته اللونية الأخيرة، لم يبتعد العوضي عن
انشغاله واشتغاله الطويل على الأسلوب ذاته. لكنّه ينوع عليه، وتراه خلّصها
هذه المرة من الخطوط الحادة؛ ذلك أن النفس البشرية لا يمكن بحالٍ من
الأحوال رسم خطوطها الداخلية بتلك الدقة؛ فيما احتفى بفراغ يحمل دلالة أبلغ
يحيل إلى هذا الاحتفاء الداخلي للجسد.
هنا، وفي عدد من اللوحات التي تمثّل بصمة العوضي الخاصة، يكون الخارج صورة
تفضح هذا الداخل المعقد، الجامح، رغم كل هدوء ألوانه. قد يحيلنا كلّ ذلك
إلى شخصية العوضي نفسه، فهو؛ وعلى الرغم من هدوئه، تعتمل في نفسه أفكارٌ
صاخبة: لوحاته تنتصر للإنسان، ولعوالمه الداخلية، في حين يبقى سؤال التقنية
قائما في أعماله. هذا المزج بين توصيف الحالة كاريكاتيريا ًوتشكيلياً،
والخط الفاصل بينهما، يبقى مجالا ًلتناول أعمال العوضي من زاويةٍ أسلوبية
نقدية، حيث استطاع أن يتفرّد بأسلوبٍ مغاير ومبتكر منحه بصمة خاصة وامتيازاً
فنياً. |