خلفية وتاريخ
على مدى ثماني سنوات متصلة «منذ 1993 إلى 2001»
كنت من فريق كتاب الزميلة «القبس» حيث يضع العوضي
لمسته اليومية في رسم كاريكاتيري كنت أتأمله كل
صباح خلال كل تلك السنوات، ومن هنا نشأت الألفة،
على رغم عدم وجود أي شكل من أشكال العلاقة
الإنسانية بين الفنان وبيني كزميلين يعملان في
جريدة واحدة.
العوضي في رسومه لا يستفز أحداً، انه يسخر، ينبه،
يشير إلى خلل، يحذر من آفات، يتبرأ من موقف، يغضب
أحيانا في أوقات متباعدة جداً، لكنه أبداً لا
يتخلى عن الحكمة والموعظة الحسنة حين يرسم، فهو لا
يسمح لغضبه أن يتجاوز كرامات الذين تستهدفهم
رسوماته، وبعض أفكار العوضي تكون متوارية ولا تكشف
عن نفسها لأول وهلة، وهي تحتاج منك إلى شيء من
التأمل وشيء من الجهد لتتبادل بعد ذلك مع الفنان
سحر الأسرار! وفي يوم افتتاح المعرض، رسم العوضي
في «القبس» كلمة واحدة هي «الديمقراطية» كل حرف
منها يأخذ شكل كتلة هندسية أو بناء، وتتداعى هذه
الأبنية وتتفكك، وتحتها تماماً العديد من «البراغي»
المرمية بإهمال وكأن مكونات الديمقراطية وأسسها
آيلة للسقوط!!
هذا هو العوضي، يمكنك سماع صوت «الإنسان» فيه
كيفما نظرت إلى رسومه، وهو صوت مهموس يقوله القلم،
وتعبر عنه الريشة، ويصرح به اللون، لكنه على رغم
ذلك، صوت يعلو فوق كل أشكال الضجيج الكاذب الذي
يملأ دروب حياتنا.
كلام حول تجربة العوضي
التشكيلية
في المعرض 23 عملا، ولوحات الفنان، أو لنقل معظمها،
هي لوحات كبيرة «193 X سم 130سم»، وهناك لوحات
اصغر قليلاً من ذلك، ومن الصحيح إن لا عبرة ولا
معيار في مساحة اللوحة، لكن للمساحة عند عبدالوهاب
العوضي وظيفة محددة تنبني عليها تجربته بالكامل
كما سأوضح لاحقاً.
ثلاثة أمور تفصح عن نفسها في معرض العوضي، أولها
الاعتماد شبه المطلق على «قانون الأثر الكلي
للألوان» الذي نَظَّرَ له بول كلي في كتابه «نظرية
التشكيل» وترجمه للعربية عادل السيوي، حيث يقول: «واستطعنا
من خلال التجربة العملية اكتشاف المواقع الصحيحة
والدقيقة للنغمات الضوئية الوسيطة، وقد أدركنا حجم
الصعوبات فيما يتعلق بالثنائيات اللونية وتوازنها»
ص 486، ولا أبالغ اذا قلت إن العوضي عمل كثيرا في
هذا المعرض ليذلل بعض الصعوبات المتعلقة
بالثنائيات اللونية، واجتهد كي يعثر على النغمات
اللونية الوسيطة، إذ أن كل اللوحات المعروضة تنضوي
نظريا تحت عنوان الأثر الذي يتركه اللون على
المتلقي، لذا قلت إن الفنان كان يحتاج إلى لوحات
كبيرة تسمح له بتخصيص مساحة واسعة لمسطحاته
المتقابلة في ثنائيات وثلاثيات لونية عبر تشكيلات
هندسية متفاوتة «مستطيلات، مربعات، مثلثات.. الخ».
الأمر الثاني، وهو متفرع عن الأول، ويتمثل باختيار
مجموعة محددة من ألوان الطيف القزحي كما يقول بول
كلي وحشدها في اللوحة واللون «البطل» عند العوضي
هو المزيج الساحر المتقابل من البرتقالي والأحمر
والأصفر، وان كان لا ينسى الظلال البعيدة المأمونة
لبقية ألوان الطيف. ولا يخفى على أحد كم يبعث
البرتقالي في النفس البشرية من البهجة والفرح! أو
ليس في غروب الشمس الساحر شيئاً من البرتقالي؟
والكلام الذي يقال هنا: لوحات العوضي دعوة مفتوحة
للفرح.
ثالث الأمور هو وجه الإنسان والتفتيش عن معنى ما
كامن في عيون مغمضة أو مندهشة أو خائفة أو متأملة
أو عابثة أو مرتابة أو.. أو.. وتلعب الألوان دورها
العبقري في منح هذه الوجوه سماتها النفسية فإذا
بالقسمات تتحول إلى تاريخ.
الفنان العوضي يهرب من عمله اليومي ورسومه الهزلية
الصغيرة على ورقة «الاي فور A4» إلى الفضاء اللوني
الواسع والمرح والمبهج، واللعب بالأشكال الهندسية
المذهلة حينما تتطابق وتتنافر «إنها الليغو نفسها
التي تبعث المرح في لعب الأطفال» وبمفردات تشكيلية
غاية في البساطة والوضوح، كتلك التي استخدمها
الفنان ميرو في تجربته، وفي زيارتك لهذا المعرض
ولو لدقائق، ستحمل منه شيئا يشع في داخلك كضوء
الصباح ومعانيه ويبعث في روحك بعض البهاء الذي
تسرقه منك آلة الحياة المعطوبة.
شهادة
تجربة العوضي الفنية ثرية في مجالاتها، فإلى جانب
فن الكاريكاتير صمم الملصقات الدعائية، ومارس فنون
التخطيط والرسم لعناصر «موتيفات» وظفها كرسوم
جانبية توضيحية لقصائد شعرية ومقالات أدبية وفكرية
كانت تنشر في وسائل الإعلام المقروءة.
أما تجربته في اللوحة التشكيلية ذات الصفة
التجريبية فقد شهد معرضه الأول عام 1993 انطلاقتها
التي أكدت انه فنان مبدع يمتلك وسائله ويحقق
عوالمه، فقد حملت لوحاته الفنية خصائص بصرية
وعناصر فنية من لون وتكوين وحس فطري تضافرت جميعها
في خلق وحدة متناسقة لعمله التشكيلي. بدر الرفاعي