السرقات الفنية عديدة، وستظل كذلك. لكن حينما اتهم فنان كويتي هو الخطاط فريد العلي على صفحات الصحف في فترة سابقة بأنه ضم إلى كتابه «المحمديات» اشكالا تكوينية من مساجد في إيران، ولم يرد حينها على هذه الاتهامات ليبين وجهة نظره، تجاه ما حدث، وجدنا حينها أن كثيرين أصبحوا يتحدثون عن سرقات فنية في الكويت، بل إن إحدى المجلات التشكيلية المتخصصة تحدثت عن جانب آخر في مجال النحت باسهاب وبالصور وإجراء المقارنات. ولأن قضية السرقات هي قضية أخلاقية في المقام الأول، واعتداء على جهد وفكر الآخرين وحقوقهم، قررنا فتح هذا الملف، من خلال تجارب تشكيليين تعرضت لوحاتهم للسرقة مثلا، أو عاصروا سرقات معينة، منها سرقة رسم معرض بالكامل.. إلخ كما فتحنا المجال للخطاط العلي ليوضح ما حدث في مجلد خطوطه المحمديات. من الناحية الفنية، بعيدا عن التطرق لأي خلافات شخصية مع آخرين، فنحن لسنا طرفا فيها. في حلقة أمس استعرضنا آراء عدد من الفنانين والمهتمين بالفن التشكيلي من خلال تجاربهم الخاصة، وفي هذه الحلقة نستعرض آراء أكاديميين ومختصين في الفنون التشكيلية، للتعريف بخطورة هذه القضية.
يقول الأكاديمي الدكتور عبدالله عيسى الحداد الأستاذ المشارك في كلية التربية الأساسية قسم التربية الفنية: من الهموم التي تصادف الفنان التشكيلي في وقتنا الحاضر كيفية حماية حقوقه الفنية الإبداعية - ويتساءل عمن يحمي حقه في إبداعه وفي فكره، وفي جهده. ويجيب: من الطبيعي لا أحد، فالشكوى لا تجد آذانا صاغية في مجتمعاتنا العربية على عكس ما هو معروف في الدول والمجتمعات التي تحترم الفن التشكيلي وفنانيه. ويضيف: كثيرا ما نشاهد معارض فنية تحتوي أعمالا تشكيلية يبدو واضحا لكل ذي ثقافة بصرية جيدة أن هذه الأعمال منسوخة طبق الأصل من أعمال عالمية بعيدة عن مجتمعنا جغرافيا، ولكنها قريبة تكنولوجيا بحيث نرى الأعمال معروضة على الانترنت.. فالمطابقة في العمل نجدها حرفية في بعض المرات، وفي أحيان أخرى يتم اقتباس عنصر أو عدة عناصر من لوحة أخرى.
ويواصل الحداد قائلا: هناك بعض الممارسين للرسم أو التصوير، لا يمكن أن نسميهم فنانين تشكيليين، لكن نقول إنهم ممارسون، يدعون أن ما رسموه إذا ناقشهم المشاهد الواعي في ما يراه متشابها مع رسم قد رآه من قبل بأنه توارد خواطر. ولكن توارد الأفكار وانتقالها من فنان إلى اخر لا يكون إلا في الأحلام وليس الواقع. فالفنان التشكيلي يعني الأخلاق، كما هو الرياضي الحق، والمطرب الأصيل، والممثل الجيد، وهؤلاء الممارسون هم أقرب إلى قراصنة الفكر والإبداع تجدهم يطوفون في أرجاء المجلات الفنية أو عبر الانترنت يقتبسون من إبداع الآخرين بأسهل الطرق، وينسبون هذه الأعمال إلى أنفسهم، بل هناك من يسرق عملا كاملا يطمس اسم صاحبه ويضع اسمه عليه.

المبدع المظلوم
ويضيف الحداد: الفنان الحق المبدع مظلوم في وقتنا الحاضر، إذ إن حقوقه مسلوبة وليس هناك من ينصفه، فكثيرا ما يفاجأ فنان تشكيلي ما بأن أعماله تستخدم في مطبوعات من دون إذن منه، أو أنها تنسخ وتطبع ككروت معايدة وبوسترات إلى آخره. فليس هناك قانون مفعل يحميه من تلك الممارسات، صحيح أننا نسمع عن حقوق الملكية الفكرية، ولكن كإعلانات فقط، كما أنه لا يوجد وعي مجتمعي على مستوى المسؤولين وأصحاب القرار أو أفراد المجتمع، وحتى من الفنانين أنفسهم. وهذا بطبيعة الحال جاء نتيجة ضعف الاهتمام بالفنون التشكيلية وعدم الاعتراف بأهميتها، وبأنها مظهر من مظاهر رقي المجتمعات وعنصر من عناصر الحضارة لأي أمة من الأمم.

السرقة مباحة
ويستطرد: إذن فالسرقة الفكرية والإبداعية مباحة تحت مظلة قلة الوعي، ما يجعل الضعيف غير القادر على توليد الأفكار الإبداعية، وهي أول عناصر الإبداع والابتكار علميا، يستسهل الحصول على أفكار غيره ولا يحتاج منه ذلك إلا إلى الفرجة على المجلات الفنية أو الكتب المتخصصة أو تصفح صفحات الإنترنت للحصول على ما ينسخه. ويضيف: في مجال الكتابات الأدبية، إذ كثرة القراء والمطلعين نجد أنه من السهولة اكتشاف سارق الفكر التعبيري أو الأكاديمي، ومن ثم يحاسب عليه إذا اقتبس المعلومة من دون الإشارة إلى صاحبها أو المرجع الذي اقتبست منه. ولكن في الفنون التشكيلية «إذا لم تستح فافعل ما شئت» وهكذا. ويقول: نحن أحوج ما نكون إلى قانون فاعل يحمي الملكية الإبداعية في الفنون التشكيلية وتسجيل براءة العمل التشكيلي، بحيث يحمل مواصفات ومعايير إبداعية منصوصا عليها وتجيزه لجان متخصصة، وقبل ذلك زيادة الوعي الثقاف الفني وتثقيف الرؤية البصرية الفنية بحيث تعطي صاحبها خبرة اكتشاف الفنان الحق من المدعي. وفي اعتقادي إذا ما وصلنا إلى هذا المفهوم فإننا سنصل إلى مستوى المجتمعات المتحضرة التي تحمي إبداعات فنانيها.
قضية مهمة
أما المستشار الفني لدار الآثار الإسلامية والمتخصص في تاريخ الفن الدكتور محمد المهدي فقد أشار إلى أهمية طرح قضية السرقات الفنية قائلا: إن ما تطرحونه قضية مهمة بل خطيرة في زمن يبدو فيه تداخل متناقض بين اتساع آفاق المعرفة، وقصر أو سرعه التواصل، وبالتالي يطرح تساؤل: ما الذي يوثق لنا إبداع المبدع من القنوات الثلاث.. البصرية، أو السمعية، أو القولية، حيث تستنسخ لوحات ونصوص وألحان وتنسب إلى غير أصحابها؟ قد يتكئ البعض على قضية المؤثرات الإبداعية، أو توارد الأفكار، ولكن القضية هنا تحسم بسهولة بالبحث عن الأصول المؤسسة لهذا النتاج. وهل هو وليد ما يدعى بالمصادفة أو الاستناد إلى مقوله شيطان المبدع؟! هي حجج مردودة فلكل شيء تاريخ وتأصيل، نبحث عن التأصيل، أى مفردات الفنان السابقة حتى لو كان مبتدئا، لنصل إلى خيطه الإبداعي المتفرد، وهو المسوغ الوحيد للاعتراف بفنه أو إبداعه ويثير ذلك تساؤلا عجيبا.. هل عدنا إلى زمان الثقافة الشفاهية بسبب مخترعات العصر؟ هل لا بد أن نتعرف على الفنان معرفة شخصية حتى نستوثق من صدق انتاجه؟ مع بدء ما يسمى بالعولمة. أي الاتساع من دون توثيق، لقد طرحت منظمة «اليونسكو» قضية «خبز المبدع»، ومن ثم كانت اتفاقية «برن» عام 1886 لحماية حقوق المبدع، ولكن عدد الدول المنفذة قليل، وهناك اتفاقية اليونسكو عام 1952 لحفظ حقوق النشر لأي قناة من قنوات الإبداع، ولكن عدد المشاركات بدت رسمية، وحتى لو تم التطبيق، فهناك الاختلاف في مفهوم حق الحماية وهل هو حماية للعمل الفني، أو حماية الفكرة ذاتها؟ والسؤال يتشابه.. هل تبحث عن الحق الرسمي أو الحق الضميري؟
الأول ملموس يسهل كشفه، والثاني غير مرئي يسهل محوه نهائيا حتى من القواميس. القضية أخلاقية. لقد منحنا العلم الكاسيت، والفيديو، والكمبيوتر، والسي دي، والإنترنت ولكن 70 في المئة من التسجيلات في إنكلترا، و 50 في المئة في إيطاليا، و50 في المئة في فرنسا غير قانوني، فما بالك بالصين، وهناك أعمال فنية ينتجها الكمبيوتر، وينتج لها مستنسخات، ونطرح السؤال في وسط ضعف الثقافة البصرية، وعدم معرفة الأصول عند العامة أو حتى عند غير المتخصص.. هل يتم بيع لوحات بأسماء غير صحيحة؟

المتاحف العالمية والتزوير
ويضيف المهدي: يقول المثل العربي «لقد اتسع الخرق على الراقع».. إذ اعلنت اليونسكو أخيرا أن 30 في المئة من مقتنيات أغلبية المتاحف العالمية لوحات مزورة وتحتاج إلى مراجعة، فقد أصبح هناك المزور المتخصص البارع الذي يراعي حتى الكشف بالأشعة السينية، ثم يضع هذا المزور اللوحة المزورة في متحف ما، ويسرق «بالرشوة» اللوحة الأصلية ويتاجر بها. هناك تزوير آخر، وقد حدثني منذ سنوات الفنان الراحل عبدالله القصار كيف أن أعماله الفنية - نتيجة لعقد وقعه مع مؤسسة فرنسية كان يتم استنساخها تصغيرا وتكبيرا. وقلت له.. لقد اتسعت دائرة السطو من دون دهشة حتى ضاقت فلحقت بأقرب المقربين، إن أعمالك وأعمال غيرك يتم استنساخها وبيعها في الكويت.
وما يطرح مع بعد النظر قضية ثقافية.. ولا أبالغ إذا قلت حضارية، يطالنا منها في عالمنا العربي السلب الكثير، والقليل القليل من الإيجاب. فمع توسع وسائل النشر وقولبتها بغير قدرة على التوثيق، ومع ضعف الإقبال على المتون الثقافية في قنوات الإبداع المتعددة، ومع ضعف المتلقي، الذي يمثل الأغلبية، عن تمييز الغث من السمين، ومع قصور المتلقي وحتى الجاد عن متابعة الكم الهائل من الإنتاج، ومع اتساع التعليم المتهافت، وغرور بعض المتعلمين وتصورهم أنهم صاروا مبدعين، ومع غياب الأجهزة العلمية للمراقبة، ومع تهاون المؤسسات الأكاديمية في منح الإجازات العلمية مع كل هذه العوامل بات من السهل السطو على الإنتاج الفني أو السمعي أو الأدبي، والحظوة بالضجة الإعلامية الغافلة، التي قد تعلي من قدر المزور إلى حد اعتباره رائدا وصاحب كشف جديد، أو اعتباره قدوة عند الأجيال الجديدة، بالتالي ينال التخريب صفحات المستقبل بعد أن هدم العريق القديم المؤهل، وبعد أن تم التهام «خبز المبدع» الصامت الحزين.. إما تعففا واحتراما لذاته، أو كمدا وحزنا عليها. ومنظمة التربية والثقافة والعلوم «الايسسكو» العربية على الرغم مما يقال عن سلبياتها، فإنها تظل الجهة المتاحة الآن أو القادرة بحكم إمكانية توزع موظفيها في البلاد العربية وليس بحكم سلطانها على الثقافة على كشف التلاعب. ففي إمكانها تكوين جهاز علمي له مندوب في مكاتب الجامعة، لا تعدو مهمته أكثر من متابعة النتاجات الجديدة في هذا البلد أو ذاك، وإرسال تقارير إلى مقر الجهاز ليقوم فريق بالغربلة وكشف المزور. ليس المقصود من هذا الجهاز العلمي الضبط أو المقاضاة، أو تحصيل الحقوق، فمازلنا بعيدين عن هذا الحلم، فدونه الأسلاك الشائكة السياسية، بل المقصود ليس أكثر من إعادة الحب المفقود بين المتلقي الجاد، والإبداع الجديد المشكوك في سلوكه، أو في أصله، أو نسبه. فالإبداع الصادر عن نبع أصيل ينساب مطمئنا من ممرات الوجدان الفاحص ويصب راسخا في مصب عقول الأجيال الجديدة أكثر رحابة، واستقرارا وإخصابا.

تأثير وتأثر
أما الفنان عبدالرسول سلمان رئيس مجلس إدارة الجمعية الكويتية للفنون التشكيلية فيعلق على هذا الموضوع بقوله: لا نستطيع أن نقول إن هناك سرقة فنية إلا حينما نملك الدليل أو الوثيقة الدالة على ذلك. فعدا ذلك يعتبر اتهاما وأنا لا أستطيع اتهام فنان ما بالسرقة من غير دليل حتى لو كان سارقا. وينطبق هذا القول على الشاعر أو الكاتب أو الموسيقي. ويضرب سلمان مثلا للتأثير والتأثر في الفنون من خلال الموسيقى العربية بقوله: في أغنية «أنت عمري» التي لحنها عبدالوهاب نجد تأثيرات من الموسيقى الأندلسية «الإسبانية» وتأثيرات من موسيقى غربية. ويضيف: الفنون متداخلة، الغرب يعطي الشرق والشرق يأخذ من الغرب وهذا شيء معروف. أما بالنسبة الى الفن التشكيلي على الساحتين العربية والأوروبية فقد ظهرت الكثير من السرقات الفنية. بيكاسو مثلا استعان بموضوعات القرن التاسع عشر لمايكل انغلو وما بعده. أخد الموضوع والشكل وحاول أن يمنحهما بعدا جديدا أو مفهوما جديدا للقرن الذي عاش فيه، وعندما أراد الفنانون رسم مريم العذارء اتفقوا على شكل معين لان البابا نفسه كان ناقدا للفن ومن ثم نشعر أن كل اللوحات التي رسمت لمريم العذراء كانت الملابس فيها باللونين الأزرق والأحمر، فقد جاء ليوناردو دافنشي ليعطيها المفاهيم الأساسية لتعريفها على أساس أنها مريم العذراء. وعندما نقلت الصورة بعد ذلك اعتمد الفنانون المواصفات التي وضعها الرسام الأول في البداية. أما بالنسبة إلى الاقتباس والسرقات فقد ثبت بالدليل عبر التاريخين الأوروبي والعربي أن هناك فعلا فنانين «من دون ذكر أسماء» اقتبسوا ونقلوا من أعمال فنانين سابقين لهم. وهذا السلوك ينكشف بسرعة وقد حدث هذا بالفعل وأرى أن الأفضل هي لمسة الفنان التلقائية والمباشرة في الرسم. أما حديثا فقد ظهرت في الكويت وفي منطقة الخليج الكثير من الأعمال الفنية التشكيلية في معارض جماعية أو معارض خارجية نقلها أصحابها من فنانين يابانيين وإسبان وكثير من الدول الغربية الأخرى. وهناك فنانون أصبح النقل لديهم حرفة. وهناك فنانون أخذوا الشكل وأضافوا اليه. أو اختصروا منه، وهناك آخرون نقلوا العمل الفني بحذافيره ونسبوه إلى صاحبه الأصلي، وهذا مسموح. وبصراحة في رأيي أن لكل فنان بصمة فلماذا السرقة أو النقل الذي سيكتشف. ولكن الأصعب من السرقة أن هناك فنانين يأتون بفنانين آخرين يرسمون لهم، ثم يضعون أسماءهم على لوحات لم يرسموها. وهذا موجود ومعروف بل وهناك فنانون اشتروا لوحات من الخارج، ووضعوا أسماءهم عليها. ،هذه النماذج أيضا لها خطورتها. أعود وأؤكد أن السرقة من أعمال فنية موجودة ومن واقع الصورة الفوتوغرافية موجودة أيضا.
29 8 2007

جميع الحقوق محفوظة  للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2007

[الوسط الكويتية]