| محمود أشكناني |
 
تشهد الفترة الاخيرة في منطقة الخليج تطورات هائلة في جميع المجالات الحياتية، ونخص هنا بالذكر الحركة التشيكلية... ولا يخفى على احد ما يحدث من ردود افعال ومعاناة الفنانين واستيائهم من الحالة المتردية التي وصلنا اليها وتصفية حسابات بين الفنانين والجهات الراعية للفن التشكيلي في الكويت على حساب الحركة التشكيلية وهبوط المستوى بشكل عام، وان الاحتضار على وشك الحدوث في ظل الاوضاع الجارية، ولا يمكن تجاهلها باي حال من الاحوال لو استمرت بهذا الشكل، رغم الثراء الفني والموروث الثقافي لكثير من الفنانين المخلصين الذين يسعون إلى الارتقاء بالفن التشكيلي، واحد هذه الادلة هجرة الفنان القدير سامي محمد إلى الامارات لم تأت من فراغ، بل وجد الملاذ الاخير هناك حيث يلاقي الدعم والتشجيع من المسؤولين في وزارة الثقافة والجهات الراعية للفن التشكيلي سواء في دبي او الشارقة وما له من الاثر الايجابي في عملية النتاج الفني بعيدا عن المهاترات.
ومن الملاحظ ايضا انجازات جيراننا في الخليح، فهم يخططون ويضعون الاستراتيجية الكاملة والمدروسة بعناية فائقة للمدى البعيد لمستقبل الفنون بشكل عام، ونحن ننتظر رصاصة الرحمة تنطلق في اي لحظة.
فقد تم الاتفاق أخيرا بين باريس وامارة ابو ظبي على اقامة متحف اللوفر الفرنسي في ابو ظبي، رغم موجة عارمة من المعارضة والجدل الشديد في الاوساط الثقافية في فرنسا ضد هذا المشروع، وسيقام المتحف ضمن صرح ثقافي مساحته 2700 هكتار في جزيرة السعديات قبالة ابو ظبي، وسيستعير المتحف الجديد تسمية (لوفر الصحراء) او (لوفر الرمال)، وتمتد مدة الاتفاقية لمدة 30 سنة، وعلى الامارات دفع نحو مليار يورو لمتحف اللوفر ووكالة متاحف فرنسا على ان تزود الوكالة المتحف الجديد بالقطع الفنية والتحف الاثرية من مختلف المتاحف في فرنسا ومنه اللوفر.
ضمن هذا المشروع اقامة قاعات المعارض الفنية العالمية ودار عرض اوبرا ومكتبات ضخمة تضم الملايين من الكتب والمخطوطات والمجلدات، وكذلك قاعات ضخمة لاقامة عروض اوركيسترا سيمفوني العالمية ومراسم للفنانين التشكيليين. كما تم اخيرا اقامة معرض باريس ابو ظبي شمل المعرض اعمالا لفنانين عالميين من كل ارجاء المعمورة عدا الكويت طبعا مع الاسف الشديد. وذلك باشراف وادارة شركات عالمية متخصصة في ادارة المعارض الفنية وبتأمين شامل باكثر من مليون دينار على المعروضات، ومن جانب آخر وصلت حركة الفنون التشكيلية في الامارات الى مرحلة التنفيذ في تأسيس ثقافة الاستثمار العالمي في المجال الفني، وهي ظاهرة ليست بغريبة على جيراننا، وبدت ركائزها تظهر للعيان حيث قامت اكبر دور مزاد واشهرها (كريستيز) و(سوثبيز) بافتتاح مكاتب اقليمية لها في دبي وابوظبي وفي 31 نوفمبر الماضي حضرت مزاد (كريستيز) دبي- وقد بلغت قيمة الاعمال المباعة للفنانين نحو 15 مليونا وثلاثمئة وخمسة وثلاثون دولارا شاملة الرسوم كما بيعت قطعة برونزية (صبرا وشاتيلا) للفنان القدير سامي محمد من الكويت، تم ذلك بجهوده الشخصية وليس دعما من الجهات الراعية للفن التشكيلي في الكويت وعبدالقادر الريس والدكتور نجاة الريس من الامارات وعبدالرحيم شريف من البحرين ويوسف احمد من قصر، كما بيعت اغلى لوحة للفنان المصري احمد مصطفى بـ 657.000 دولار. المغزى والملفت للنظر وزير الثقافة الاماراتي السيد عبدالرحمن العويس وجوده في صالة المزاد ودعمه للفنانين الخليجيين، كان له الاثر الكبير في رفع قيمة اعمالهم الفنية الى اعلى مستوى، ولم يبرح الصالة طوال فترة المزاد وكان على تواصل دائم معهم حتى بعد اتمامه ما ترك في نفوس الفنانين الخليجيين الاثر الطيب والنبيل، اين نحن من مثل هذا الدعم في الكويت؟ فلا يمكن ان نصل بالفن إلى العالمية مثل اخواننا في الخليج في ظل هذه الظروف غير الصحية.
دعوة من القلب موجهة إلى المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب إلى التفكير الجاد والاستعانة بالاستشاريين العالميين في مجال الفنون، لوضع الخطط والتصورات المستقبلية الشاملة، وتنفيذ ما يمكن تنفيذه لبناء قاعدة صحية للحركة التشيكلية في الكويت ولنلحق بالركب قبل فوات الاوان.
كما ادعو السيد وزير الشؤون الاجتماعية والعمل في الموافقة على اشهار جمعيات فنون اخرى مثل جمعية الفن المعاصر، وجمعية الفنون البصرية، وجمعية الفنون التطبيقية، كما يحدث في البحرين وقطر وغيرها من الدول العربية الاخرى مما تخلق روح المنافسة بين الجمعيات ذات الطابع المتشابه ولها الاثر الايجابي الشامل في انعاش الحركة التشكيلية الكويتية. ومن خلال التوجه العام للمسؤولين في الدولة إلى تحويل الكويت إلى مركز تجاري ومالي، فاننا ندعو الشركات والمؤسسات الاستثمارية والبنوك إلى تبني دعم الفنان الكويتي، والمساهمة في تأسيس ثقافة الاستثمار في المجال الفني كما يحدث في دول الخليج الاخرى، ولقد اصبحت ظاهرة متميزة في دعم حركة الاشعاع الثقافي والمعرفي في المنطقة واصبحت تلعب دورا رياديا في تعزيز النمو الاقتصادي لهذه الدول، واخيرا نتمنى لاحلامنا ان تتحقق وترى النور، وان تحل محل القرارات والوعود العقيمة الفضفاضة، التي امتلات ادراج المسؤولين واننا نتوقع لهذه النقلة فيما اذا تحققت سيكون لها انعكاسات ايجابية ملحوظة في مجمل الانشطة الفنية الاخرى مثل المسرح والموسيقى، نفتخر بها امام العالم والاجيال القادمة.
 
10 12 2007

جميع الحقوق محفوظة  للفنان والناقد التشكيلي حميد خزعل 2007

[| محمود أشكناني | / فنان تشكيلي]